الشريف المرتضى

527

الذخيرة في علم الكلام

الدليل وغيرهما . وإذا بطلت الأقسام التي قسمناها « 1 » وجب كون معارفهم ضرورية . واعلم أن أهل الآخرة أن يكونوا مضطرين إلى أفعالهم - على ما ذهب إليه أبو الهذيل ، لأن الاضطرار في الأفعال ينقص من لذتها - فالتخيير فيها أبلغ في اللذة والسرور ، لأن اللّه تعالى إنما رغّب في وصول الثواب إلينا في الآخرة على الوجه المؤول المعروف في الدنيا ، وانما يكون ذلك على وجه التخيير . وهذا الوجه وان لم يستمر في أهل النار ولا في جمع أهل الموقف ، فبالاجماع نعلم تساوي الجميع في هذا الحكم ، لأن الناس بين قائلين : فقائل ذهب إلى الضرورة ويعمّ بها [ على ] « 2 » جميع أهل الآخرة ، والآخر يذهب إلى الاختيار فيعمّهم به أيضا . وإذا تأملت القرآن وجدته « 3 » دالا على أن أهل الآخرة متخيرون لأفعالهم ، لأنه تعالى أضاف إليهم الأفعال ، فقال تعالى « يَأْكُلُونَ » و « يَشْرَبُونَ » و « يَفْعَلُونَ » ، وذلك يقتضي أنها أفعال لهم لا ضرورة فيه ، وقوله تعالى وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ « 4 » صريح في أنهم مختارون . وإذا ثبت أنهم غير مضطرين إلى أفعالهم ولم يجز أن يكلّفوا ترك القبيح لما تقدم ذكره ، فلا بدّ إذا علمنا أن القبيح لا يقع منهم من أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا ، وانما يكونوا ملجئين بأن يعلمهم اللّه تعالى أنهم متى حاولوا القبيح منعوا منه . وقد ثبت في الشاهد أن الالجاء يقع بهذا الوجه مع غلبة الظن وتظاهر الأمارات ، فبأن يقع مع العلم أولى . ويمكن أن يلجأ بوجه آخر ، وهو : أن يعلمهم استغناءهم عن القبيح

--> ( 1 ) في النسختين « قسماها » . ( 2 ) الزيادة من م . ( 3 ) في النسختين « وجدت » . ( 4 ) سورة الواقعة : 20 .